صديق الحسيني القنوجي البخاري

182

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ في التوراة وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ كالرشوة والسحت الذي كانوا يأخذونه ، وهذه الذنوب الأربعة هي التي شدّد عليهم بسببها في الدنيا والآخرة ، أما التشديد في الدنيا فهو ما تقدم من تحريم الطيبات وأما التشديد في الآخرة فهو المراد بقوله : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ النساء : 161 ] وإنما قال منهم لأن اللّه علم أن قوما منهم سيؤمنون فيأمنون من العذاب . لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ استدراك من قوله تعالى : وَأَعْتَدْنا الآية أو من الذين هادوا ، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلا وآجلا وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا : إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلها فنزل لكِنِ الرَّاسِخُونَ والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه ، والرسوخ الثبوت وقد تقدم الكلام عليه في آل عمران والمراد بهم عبد اللّه بن سلام وكعب الأحبار ونحوهما . وَالْمُؤْمِنُونَ باللّه ورسوله ، والمراد أما من آمن من أهل الكتاب أو من المهاجرين والأنصار أو من الجميع يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي سائر الكتب المنزلة على الأنبياء وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قرأ جماعة المقيمون على العطف على ما قبله ، وكذا في مصحف ابن مسعود تنزيلا للتغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي ، ونصب مقيمين على قراءة الجمهور هو على المدح والتعظيم عند سيبويه وهو أولى الأعاريب . وقال الخليل والكسائي : هو معطوف على قوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ واستبعده الأخفش ، ووجهه محمد بن يزيد المبرد . وعن عائشة أنها سئلت عن المقيمين وعن قوله إن هذان لساحران والصائبون في المائدة فقالت : يا ابن أخي الكتّاب أخطأوا ، وروي فعن عثمان بن عفان أنه لما فرغ من المصحف أتى به قال : أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها ، فقيل له ألا تغيره فقال دعوه فإنه لا يحلّ حراما ولا يحرّم حلالا . قال ابن الأنباري : وما روي عن عثمان لا يصح لأنه متصل ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا ليصلحه غيره ، ولأن القرآن منقول بالتواتر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه . وقال الزمخشري في الكشاف : ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوع لحن في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ، يعني كتاب سيبويه ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص والمدح من الافتان وهو باب واسع قد ذكره سيبويه على أمثلة وشواهد ، وربما خفي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب الطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب اللّه عز وجل ثلمة يسدها من بعدهم . وخرقا يرفوه من يلحق بهم ، انتهى .